تفسیر القرآن الکریم - الملا صدرا - الصفحة ٤١٥ - تنبيه الجهال المنتسبون الى العلم
قوله جل اسمه: [سورة البقرة (٢): آية ١٢]
أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَ لكِنْ لا يَشْعُرُونَ (١٢)
ردّ لما ادّعوه و إنكار لما صوّروه من الانتظام في جملة المصلحين بأبلغ ردّ و أشدّ إنكار و أدلّه على سخط عظيم، حيث وقع الاستيناف و التصدير (بألا) و (إنّ) حرفي التأكيد و التحقيق، و عرّف الخبر و وسّط الفصل مع الاستدراك بلا يشعرون، فإنّ الاولى منهما مركّبة من حرفي الاستفهام و النفي لافادة التحقيق كقوله أَ لَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ و لكونها في هذه المرتبة من التحقيق لا يكاد يقع الجملة بعدها إلّا مصدّرة بنحو ما يتلقّى به القسم و أختها «أما» التي هي من طلائع اليمين و مبادئ القسم، و الثانية هي المقرّرة للتنبيه و التحقيق.
تنبيه: [الجهال المنتسبون الى العلم]
اعلم إنّ هؤلاء المنافقين الذين ذكرهم اللّه كانوا من المنتسبين ظاهرا إلى العلم و الصلاح مع وفور الجهل و قلّة الورع و رداءة الاعتقاد و سوء الخلق، و عند أنفسهم لغاية الحمق و السفاهة إنّهم من أهل الصلاح و الإصلاح لنفسهم و لغيرهم و نظائرهم موجودون في كلّ زمان مضادّون في أطوارهم و آرائهم لأهل الحقّ في كل أوان، و أكثرهم من مجادلة أهل الكلام و المتعصّبة لمذاهب أخذوها تلقّفا و تقليدا من غير بصيرة.
و ليس من الطوائف المنتسبة إلى العلم و الأدب شرّ على العلماء المحقّين و لا أضرّ على الأنبياء الهادين و لا أشدّ عداوة للمؤمنين بالحقيقة و لا أفسد للعقول السليمة من كلام هؤلاء المجادلة و خصوماتهم و تعصّباتهم في الآراء و المذاهب.